يزيد بن محمد الأزدي
401
تاريخ الموصل
وفيها عزل أبو جعفر مالك بن الهيثم عن الموصل ثانية ، وولى ابنه جعفر بن أبي جعفر ، فبنى القصر المشرف على قطائع بنى وائل في الربض الأسفل وسكنه ، وفي هذا القصر ولدت له زبيدة ابنته ، وكان على شرطته ابن عبد الله الراوندي صاحب الحربية ببغداد وإليه تنسب ، وكان حرب هذا في ألفي فارس مقيما بالموصل على روابطها ، وكان جعفر بن أبي جعفر الوالي على الصلاة والأحداث والأعمال ، وكان رسم الموصل أن يكون فيها الوالي مفردا بالصلاة والمعونة والخراج - إن ضم إليه ، وصاحب الرابطة متبتلا لحرب الخوارج ويد الوالي - فيما قيل - عليه ؛ فلما خرج محمد بن عبد الله بالمدينة وإبراهيم بالبصرة أمر حربا « 1 » بالقدوم عليه ليستعان به على شئ من أمرهما . فأخبرني محمد بن المبارك عن عمر بن شبة قال : حدثني أبو القداح على قال : حدثني داود بن سليمان قال : « كنا بالموصل مع حرب الراوندي رابطة في ألفين لمكان الخوارج » . قال
--> - عدوك إلا على جسر أو قنطرة ، فإذا قطعت الجسر وأخربت القنطرة لم يصل إليك . ودجلة والفرات والصراة خنادق هذه المدينة ، وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط والموصل والسواد ، وأنت قريب من البر والبحر والجبل فازداد المنصور عزما على النزول في ذلك الموضع . وقيل : إن المنصور لما أراد أن يبنى مدينته بغداد رأى راهبا فناداه فأجابه فقال : هل تجدون في كتبكم أنه يبنى هاهنا مدينة ؟ قال : نعم ، يبنيها مقلاص ، قال : فأنا كنت أدعى مقلاصا في حداثنى ، قال : فإذن أنت صاحبها ، فابتدأ المنصور بعملها سنة خمس وأربعين ، وكتب إلى الشام والجبل والكوفة وواسط والبصرة في معنى إنفاذ الصناع والفعلة ، وأمر باختيار قوم من ذوى الفضل والعدالة والفقه ، وأمر باختيار قوم من ذوى الأمانة والمعرفة بالهندسة ، فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة ، وأمر فخطت المدينة وحفر الأساس وضرب اللبن وطبخ الآجر ، فكان أول ما ابتدأ به منها أنه أمر بخطها بالرماد ، فدخلها من أبوابها وفصلانها وطاقاتها ورحابها وهي مخطوطة بالرماد ، ثم أمر أن يجعل على الرماد حب القطن ويشعل بالنار ففعلوا ، فنظر إليها وهي تشتعل ففهمهاو عرف رسمها ، وأمر أن يحفر الأساس على ذلك الرسم ، ووكل بها أربعة من القواد كل قائد بربع ، ووكل أبا حنيفة بعدد الآجر واللبن ، وكان قبل ذلك قد أراد أبا حنيفة أن يتولى القضاء والمظالم فلم يجب ، فحلف المنصور أنه لا يقلع عنه أو يعمل له ، فأجابه إلى أن ينظر في عمارة بغداد ويعد اللبن والآجر بالقصب ، وهو أول من فعل ذلك ، وجعل المنصور عرض أساس السور من أسفله خمسين ذراعا ، ومن أعلاه عشرين ذراعا وجعل في البناء القصب والخشب ووضع بيده أول لبنة ، وقال بسم الله والحمد لله ، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، ثم قال ابنوا على بركة الله ، فلما بلغ السور مقدار قامة جاء الخبر بظهور محمد بن عبد الله فقطع البناء ، ثم أقام بالكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه إبراهيم ، ثم رجع إلى بغداد فأتم بناءها وأقطع فيها القطائع لأصحابه ، وكان المنصور قد أعد جميع ما يحتاج إليه من بناء المدينة من خشب وساج وغير ذلك ، واستخلف حين يشخص إلى الكوفة على إصلاح ما أعد أسلم مولاه ، فبلغه أن إبراهيم قد هزم عسكر المنصور فأحرق ما كان خلفه عليه المنصور ، فبلغ المنصور ذلك فكتب إليه يلومه ، فكتب إليه أسلم ليخبره أنه خاف أن يظفر بهم إبراهيم فيأخذه ، فلم يقل له شيئا . ينظر : الكامل ( 5 / 557 - 560 ) . ( 1 ) في المخطوطة : حرب .